محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
89
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فأدركتني عليه الشفقة فقمت إليه بطعام طيّب كان معنا ، وأكثرت له منه ، فقلت له : قد علمت أنه لم يقع منك القرص بموقع فدونك هذا الطعام ، فنظر في وجهي وتبسّم وقال : يا عبد اللّه إنّما هي فورة جوع فلا أبالي بأي شيء رددتها عنّي ! ! فرجعت عنه ، فقال لي رجل إلى جنبي : أتعرفه ؟ قلت : لا ! ! قال : إنه رجل من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب « 1 » ، هذا من ولد سليمان بن أبي جعفر المنصور ، كان يسكن البصرة فتاب ، فخرج منها ، ففقد ، فما عرف له أثر . فأعجبني قوله ، ثم اجتمعت به ، وآنسته ، وقلت له : يا فتى ، أنا رجل من إخوانك ، وقد بلغني موضعك فأحببت الاتّصال بك فهل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي ، فجزاني خيرا وقال : لو أردت هذا لكان لي معدّا ، ثم أنس إليّ ، وجعل يحدثني فقال : أنا رجل من ولد العباس ، كنت أسكن البصرة ، وكنت ذا كبر شديد وتجبّر وبذخ وإني أمرت خادما أن تحشو لي فراشا من حرير ، ومخدّة بورد نثير ، فبينما نائم إذا بقمع وردة قد غفلت عنه الخادمة ، فقمت إليها فأوجعتها ضربا ، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدّة ، فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة ، فهزّني ، وقال لي : أفق من غشيتك ، وأبصر من حيرتك ، ثم أنشأ يقول : يا خدّ إنّك إن توسّد ليّنا * وسدّت بعد الموت صمّ الجندل « 2 » فامهد لنفسك صالحا تسعد به * فلتند منّ غدا إذا لم تفعل قال : فانتبهت فزعا فخرجت من ساعتي إلى ربي هاربا . فهذا خبري . قال الراوي : فلما قضى حديثه هذا انخنس عنّي ، ومضى . ومن لم يقبل على اللّه بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان . النفوس الكريمة تقبل على اللّه بملاطفات إحسانه ، وموالاة فضله وامتنانه والنفوس اللئيمة لا تنقاد إلّا بسلاسل الامتحان ووقوع المصائب في الأموال والأبدان . والقود بالسلاسل استعارة حسنة . قال سيدي أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه : « سنّة اللّه عزّ وجل استدعاء العباد لعبادته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته ، فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون ؛ لأن مراده عز وجل ، رجوع العبد إليه طوعا أو كرها » .
--> ( 1 ) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ( 51 ق ه - 32 ه - 573 - 653 م ) أبو الفضل من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام ، وجدّ الخلفاء العباسيين . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وصفه : أجود قريش كفا وأوصلها ، هذا بقية آبائي ، وهو عمه . وكان محسنا لقومه ، سديد الرأي ، واسع العقل ، مولعا بإعتاق العبيد ، كارها للرق ، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام . أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه ، شهد وقعة حنين وفتح مكة ، وعمي في آخر عمره . ( الأعلام 2 / 262 م ، وتهديب الكمال 9 / 464 ) . ( 2 ) توسد الوسادة : جعلها تحت رأسه . الجندل : الحجارة والصخر .